ابن عجيبة

241

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

صارت مساوئه محاسن ، ومن سبق له العكس صارت محاسنه مساوئ . اللهم اجعل سيئاتنا سيئات من أحببت ، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت . وفي الحديث : « إذا أحب اللّه عبدا لم يضره ذنب » « 1 » . قال في القوت : واعلم أن مسامحة ، اللّه عز وجل لأوليائه - يعنى : في هفواتهم - في ثلاث مقامات : أن يقيمه مقام حبيب صديق ، لما سبق من قدم صدق ، فلا تنقصه الذنوب ؛ لأنه حبيب . المقام الثاني : أن يقيمه مقام الحياء منه ، بإجلال وتعظيم ، فيسمح له ، وتصغر ذنوبه ؛ للإجلال والمنزلة ، ولا يمكن كشف هذا المقام ، إلا أنّا روينا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أنه ذكر طائفة فقال : « يدفع عنهم مساوئ أعمالهم بمحاسن أعمالهم » . المقام الثالث : أن يقيمه مقام الحزن والانكسار ، والاعتراف بالذنب والإكثار ، فإذا نظر حزنه وهمه ، ورأى اعترافه وغمه ، غفر له ؛ حياء منه ورحمة . ه . وباللّه التوفيق . ثم ذكر توجه موسى إلى مدين ، واتصاله بشعيب - عليهما السلام - فقال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 22 إلى 24 ] وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ( 22 ) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ( 24 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَمَّا تَوَجَّهَ موسى تِلْقاءَ مَدْيَنَ ؛ نحوها وجهتها . ومدين : قرية شعيب ، سميت بمدين بن إبراهيم ، كما سميت المدائن باسم أخيه مدائن ، ويقال له أيضا : « مدان بن إبراهيم » ، ولم تكن مدين في سلطان فرعون ، وبينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام ، ولعله إنما لم يتسلط عليها ؛ لما وصله من خبر إهلاك أهلها لما طغوا على أنبيائهم ، فخاف على نفسه . قال ابن عباس : خرج موسى ، ولم يكن له علم بالطريق إلا حسن الظن بربه . قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ أي : وسطه ونهجه . فلما خرج ، عرض له ثلاث طرق ، فأخذ في أوسطها ، وجاء الطلاب عقبه ، فأخذوا في الآخرين . روى أن ملكا جاءه على فرس بيده عنزة ، فانطلق به إلى

--> ( 1 ) أخرجه الديلمي ( مسند الفردوس 2 / 77 ح 4232 ) من حديث أنس . ولفظه : « التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وإذا أحب اللّه عبدا لم يضره ذنب » وزاد الزبيدي عزوه في إتحاف السادة المتقين ( 9 / 609 ) لابن النجار في تاريخه .